محمد بن جعفر الكتاني

355

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - قد قرأ في تونس ومصر وغيرهما ، وامتحن بالأسر ، ففداه سلطان فاس إذ ذاك : أبو العباس أحمد بن محمد الوطاسي المريني ، بوساطة أبي عبد اللّه محمد اليسيتني ؛ لمكاتبة جرت بينهما ، وذلك في حدود السبعة والأربعين وتسعمائة . فقدم به آسره النصراني طالبا أن يقرئه النحو كشأنه معه في أرضهم ؛ فإنه كان يقرأ عليه هناك " المفصل " للزمخشري ليتوصل الآسر المذكور إلى فهم " القرآن " ، فإنه كان ينظر فيه ويتطلب فهمه ، ويفهم في النحو بعض فهم . فأفتى الشيخ أبو عبد اللّه اليسيتني بالمنع من ذلك بعد أن كان الفقيه أسيره يعده بذلك ، ولذا قدم معه . قال الشيخ أبو العباس المنجور : « والمنع من ذلك هو المذهب ؛ إذ قال مالك : ينهى أن يعلم المسلم الكافر القرآن والخط العربي ؛ لأنهم يتوصلون بذلك إلى المصحف » . ه . وكان صاحب الترجمة بعد هذه القضية إذا كتب للمريني المذكور يكتب : « معتق إيالتكم : خروف » . وأقام - رحمه اللّه - بفاس تقرأ عليه العلوم المعقولية ، وهو مجدد سند تعليمها بالمغرب ، وعنه اخذت على الحقيقة . وكان في لسانه شبه العجمة ، وما زال البعض منها إلا بعد مدة ؛ فكان يجتنبه أكثر الطلبة لذلك ، ولأنهم ما ألفوا تلك الفنون التي كان يقرأ ، ولا عرفوا قدرها . وأخذ بالمشرق في رحلته إليه عن : كمال الدين الطويل ، وعبد العزيز ابن فهد المكي . . وغيرهما . وأخذ بفاس عن : سيدي عبد الرحمن سقين ، وسيدي علي ابن هارون ، وسيدي عبد الواحد الونشريسي ، وأبي عبد اللّه اليسيتني ، وأبي محمد عبد الوهاب الزقاق . . . وغيرهم . وأخذ عنه هو بها : الشيخ أبو العباس المنجور ، والشيخ أبو عبد اللّه القصار ، والقاضي الحميدي ، وأحمد بن علي الزموري ، وأحمد بن سليمان السكيري ، وأبو المحاسن سيدي يوسف الفاسي ، والشيخ سيدي رضوان الجنوي ؛ لازم حضور مجلسه ، وحفظ منه كثيرا ، وقيد مما حفظه منه جملة صالحة . ولم يكن له - رحمه اللّه - باع طويل في الفقه ؛ لكونه [ 281 ] لم يتقدم له فيه حفظ ولا تدريس ، وإنما كان ينفذ في البيان ونحوه من الأدب ، ويشارك في المنطق والنحو والأصلين ، وربما أجاد في التفسير ، وكان يقرض الشعر ويحسن فيه ، وكان لسانه لا يعينه على إلقاء ما عنده . وكانت أخلاقه حسنة ، طارحا للتكلف ، متواضعا ، هينا لينا ، مبغضا للمتكبرين والمتصنعين . وكان له دكان يجلس فيه للشهادة إلى أن توفي ؛ وذلك بفاس - كما في " الجذوة " ، و " الدرة " ، و " المرآة " ، و " المنح البادية " . . . وغيرها - في صفر ، أو ربيع الأول سنة ست وستين وتسعمائة .